فصل: خلع الملك الصالح من السلطنة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة **


ولما ملك الأمير برسباي والأمير طرباي باب السلسلة في الحال نودي بالقاهرة بنفقة المماليك السلطانية‏.‏

فلما سمع المماليك هذه المناداة سكنوا بإذن الله وذهب كل واحد إلى داره‏.‏

وفتحت الأسواق وشرع الناس في بيعهم وشرائهم بعدما كان في ظن الناس أن الفتنة تطول بين هؤلاء أيامًا كثيرة لأن كل واحد منهم مالك جهة من جهات القلعة ومع كل طائفة خلائق لا تحصى فجاء الأمر بخلاف ما كان في ظنهم ويأبى الله إلا ما أراد‏.‏

واستبد من يومئذ الأمير برسباي بالأمر وبتدبير المملكة مع مشاركة الأمير طرباي له في ذلك‏.‏

فلما كان يوم السبت حادي عشر ذي الحجة استدعى برسباي الأمير أرغون شاه النوروزي الأعور وخلع عليه باستقراره استادارًا بعد عزل الأمير صلاح الدين محمد بن نصر الله‏.‏

وكان أرغون شاه المذكور قد قدم إلى القاهرة صحبة الملك الظاهر ططر من دمشق‏.‏

وفيه رسم يحمل الأميرين جاني بك الصوفي ويشبك الجكمي الأمير آخور إلى ثغر الإسكندرية وسجنا بها‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثالث عشر ذي الحجة خلع على الأمير آق خجا الحاجب الثاني باستقراره في كشف الوجه القبلي‏.‏

ثم عملت الخدمة السلطانية في يوم الخميس سادس عشرة بالقصر السلطاني وحضر الخليفة والقضاة الموكب فخلع على الأمير برسباي الدقماقي الدوادار الكبير واللالا باستقراره نظام المللك ومدبر المملكة كما كان المالك الظاهر ططر في دولة الملك المظفر أحمد بن المؤيد شيخ عوضًا عن جاني بك الصوفي وخلع على الأمير سودون من عبد الرحمن باستقراره دوادارًا كبيرًا عوضًا عن برسباي الدقماقي وخلع على الأمير قصروه من تمراز رأس نوبة النوب باستقراره أمير آخور كبيرًا عوضًا عن يشبك الجكمي وخلع على الأمير جقمق العلائي نائب القلعة باستقراره حاجب الحجاب عوضًا عن طرباي وعلى الأمير أزبك المحمدي باستقراره رأس نوبة النوب عوضًا عن قصروه‏.‏

ثم فوض الخليفة المعتضد بالله للأمير برسباي الدقماقي نظام الملك أمور الدولة بأسرها ليقوم بتدبير ذلك عن السلطان الصالح محمد إلى أن يبلغ رشده وحكم بصحة ذلك قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن التفهني الحنفي ومع هذا كله تقرر الحال على أن يكون تدبير الدولة وسائر أمور المملكة بين الأمير برسباي وبين الأمير طرباي وأن يسكن الأمير برسباي بطبقة الأشرفية على عادته ويسكن الأمير طرباي الأتابك بداره تجاه باب السلسلة وهو بيت قوصون وأن طرباي يحضر الخدمة عند الأمير برسباي بالأشرفية‏.‏

وانفض الموكب وخرج جميع الأمراء وسائر أرباب الدولة من الخدمة السلطانية بالقصر مشاة في خدمة الأمير برسباي نظام الملك حتى دخل الأشرفية التي صارت سكنه من يوم مات الملك الظاهر ططر وعملت بها الخدمة ثانيًا بين يديه‏.‏

وصرف برسباي أمور الدولة على حسب اختياره ومقتضى رأيه واستمر على هذا فعند ذلك كثر تردد الناس إلى بابه لقضاء حوائجهم وعظم وضخم‏.‏

ولما كان يوم ثامن عشر ذي الحجة المذكورة ورد الخبر بأن الأمير تغري بردي المؤيدي نائب حلب خرج عن طاعة السلطان وقبض على الأمراء الحلبيين واستدعى التركمان والعربان وأكثر من استخدام المماليك‏.‏

وسبب خروجه عن الطاعة أنه بلغه أن الملك الطاهر ططر عزله وأقر عوضه في نيابة حلب الأمير تنبك البجاسي نائب طرابلس فلما تحقق ذلك خرج عن الطاعة وفعل ما فعل‏.‏

فشاور الأمير برسباي الأمراء في أمره فوقع الاتفاق على أن يكتب الأمير تنبك البجاسي بالتوجه إليه وصحبته لعساكر وقتاله وأخذ مدينة حلب عنه وباستقراره في نيابتها كما كان الملك الظاهر ططر أقرة وكتب له بذلك‏.‏

ثم في يوم ثالث عشرين ذي الحجة خلع الأمير برسباي على القاضي صدر الدين أحمد بن العجمي باستقراره في حسبة القاهرة على عادته بعد عزل قاضي القضاة جمال الدين يوسف البساطي‏.‏

ثم في يوم سابع عشرينه ابتدأ الأمير برسباي نظام الملك في نفقة المماليك السلطانية وهو والأمراء على تخوف من المماليك السلطانية أن يمتنعوا من أخذها وذلك أنهم وعدوا المماليك في نوبة الأمير الكبير جاني بك الصوفي لكل واحد بمائة دينار فلم يصر لكل واحد سوى خمسين دينارًا من أجل قلة المال فإن الملك الظاهر ططر فرق الأموال التي خلفها الملك المؤيد شيخ جميعها حتى إنه لم يبق منها بالخزانة السلطانية غير ستين ألف دينار ومع ما فررقه من الأموال زاد في جوامك المماليك بالديوان المفرد في كل شهر ما ينيف على عشرة آلاف دينإر ولذلك استعفى صلاح الدين بن نصر الله من وظيفة الأستدارية بعد أن قام هو وأبوه الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله ناظر الخواص الشريفة بعشرة آلاف دينار في ثمن الأضحية وبعشرين ألف دينار مساعدة في نفقة المماليك السلطانية ثم تقرر على كل من مباشري الدولة شيء من الذهب حتى جمع من ذلك كله من نفقة المماليك‏.‏

ولما جلس السلطان والأمراء لنفقة المماليك أخذ الأمير برسباي نظام الملك الصرة من النفقة بيده وكلم المماليك السلطانية بما معناه أن الملك الظاهر ططر لم يدع في بيت المال من الذهب سوى ما هوت وكيت وأنهم عجزوا في تحصيل المال لتكملة النفقة ولم يقدروا إلا على هذا الذي تحصل معهم ثم وعدهم بكل خير‏.‏

وأمر كاتب المماليك فاستدعى اسم أول من هو بطبقة الرفرف وكانت المماليك قبل أن يدخلوا الحوش السلطاني اتفقوا على أنه إذا استدعى كاتب المماليك اسم أحد فلا يخرج إليه يأخذ النفقة إلا إن كانت مائة دينار وتوعدوا من أخذ ذلك بالقتل والإخراق فلما استدعى كاتب المماليك اسم ذلك الرجل خرج‏.‏

أن سمع كلام الأمير برسباي نظام الملك من العذر الذي أبداه وقال‏:‏ إن أعطانا السلطان كف تراب أخذناه فشكره نظام الملك على ذلك ورمى له الصرة فأخذها وقبل الأرض وخرج ولم يجسر أحد على أن يكلمه الكلمة الواحدة بعد ذلك التهديد والوعيد‏.‏

ثم صاح كاتب المماليك باسم غيره فخرج وأخذ وتداول ذلك منه وكل من استدعي اسمه خرج وأخذ إلى آخرهم فأخذ الجميع النفقة انفضوا بغير شر‏.‏

قلت‏:‏ وهذه عادة المماليك يطلعون من ألف ويزلون إلى درهم وكان الذي أخذ النفقة في هذه النوبة ثلاثة آلاف ومائتي مملوك والمبلغ مائة وستين ألف دينار‏.‏

ثم في يوم الخميس تاسع عشرين ذي الحجة قدم مبشر الحاج وأخبر بسلامة الحاج وأن الوقفة كانت يوم الجمعة‏.‏

ثم في يوم الأحد ثالث المحرم من سنة خمس وعشرين وثمانمائة ورد الخبر إلى الديار المصرية بفرار الأمير تغري بردي المؤيدي المعروف بأخي قصروه نائب حلب منها بعد وقعة كانت بينه وبين تنبك البجاسي المنتقل عوضه إلى نيابة حلب فدقت البشائر لذلك‏.‏

وكان من خبر تنبك البجاسي المذكور أنه لما قدم على الملك الظاهر ططر من بلاد الشرق مع من قدم من الأمراء وقد تقدم ذكرهم في عدة مواضع ولاه نيابة حماة كما كان أولًا في دولة المؤيد شيخ ثم خرج الملك الظاهر ططر من دمشق يريد الديار المصرية بعدما رسم بانتقاله من نيابة حماة إلى نيابة طرابلس‏.‏

فلما بلغ تنبك البجاسي ذلك وهو بحماة ركب الهجن من وقته وساق خلف الملك الظاهر ططر إلى أن أدركه بالغور فنزل وقبل الأرض بين يديه ولبس التشريف بنيابة طرابلس عوضًا عن الأمير أركماس الجلباني ثم خرج وسار إلى جهة ولايته‏.‏

وقبل أن يسافر الأمير تنبك المذكور أسر له الأمير برسباي الدقماقي الدوادار الكبير بأن الملك الظاهر ططر يريد توليته نيابة حلب عوضًا عن تغري بردي المؤيدي وكان بينهما صداقة أعني بين برسباي الدقماقي وبين تنبك البجاسي ثم أمره برسباي أن يكتم ذلك لوقته وكان ذلك في شهر رمضان‏.‏

فاستمر تنبك في نيابة طرابلس إلى يوم عرفة من السنة فورد عليه مرسوم شريف من الملك الظاهر ططر بنيابة حلب عوضًا عن تغري بردي المؤيدي المعروف بأخي قصروه بحكم عصيانه وبالتوجه لقتال تغري بردي المذكور‏.‏

فخرج تنبك من طرابلس بالعساكر في رابع عشر ذي الحجة من سنة أربع وعشرين وثمانمائة إلى ظاهر طرابلس وأقام يتجهز بالمكان المذكور إلى سادس عشر ذي الحجة‏.‏

وبينما هو في ذلك ورد عليه الخبر بموت الملك الظاهر ططر فأمسك عند ذلك الأمير تنبك البجاسي عن المسير إلى حلب حتى ورد عليه مرسوم الملك الصالح محمد ابن الله الملك الظاهر ططر باستمراره على نيابة حلب وصحبة المرسوم الخلعة والتشريف بنيابة حلب وبالمسير إلى حلب فسار إليها لإخراج تغري بردي منها‏.‏

وعند مسيره إلى جهة حلب وافاه الأمير إينال النوروزي نائب صفد بعسكرها وتوجه الجميع إلى حلب‏.‏

فلما سمع تغري بردي بقدومهم فر من حلب قبل أن يقاتلهم وتوجه نحو بلاد الروم وقيل قاتلهم وانكسر‏.‏

وسار الأمير تنبك البجاسي خلفه من ظاهر حلب إلى الباب فلم يدركه ورجع إلى حلب وأقام بها إلى ما يأتي ذكره‏.‏

وفي رابع عشرين المحرم قدم أمير حاج المحمل بالمحمل وهو الأمير تمرباي اليوسفي المؤيدي المشد كان وهو يومئذ من جملة أمراء الألوف بالديار المصرية وقد كثر ثناء الناس عليه بحسن سيرته فيهم فخلع عليه ونزل إلى داره‏.‏

فلما كان يوم الخميس ثامن عشرين المحرم طلع المذكور إلى الخدمة السلطانية فقبض عليه وعلى الأمير قرمش الأعور الظاهري برقوق أحد مقدمي الألوف وكان قرمش أحد أعيان أصحاب جاني بك الصوفي وأخرج هو وتمرباي إلى ثغر دمياط وأنعم على الأمير يشبك الساقي الظاهري الأعرج بإمرته دفعة واحدة من الجندية‏.‏

وكان من خبر قرمش هذا مع الأمير برسباي الدقماقي أن الأمير الكبير جاني بك الصوفي لما صار أمر المملكة إليه بعد موت الملك الظاهر ططر أمره بالجلوس بباب الستارة ليكون عينًا على الأمير برسباي الدقماقي فأخذ الأمير برسباي الدقماقي يستميله بكل ما وصلت القدرة إليه فلم يقدر يحوله عن جاني بك الصوفي واعتذر بأنه رباه في بلاد الجركس وأنه كان يحمل جاني بك الصوفي على كتفه فكيف يمكنه مفارقته فلما وقع من أمر جاني بك الصوفي ما وقع وتم أمر الأمير برسباي الدقماقي التفت إلى قرمش وأخرج إقطاعه ونفاه إلى دمياط لما كان في نفسه منه‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثاني صفر أمسك الأمير الكبير برسباي الأمير أيتمش الخضري الظاهري أحد أمراء العشرات ونفاه إلى القدس بطالًا‏.‏

ثم في يوم الأربعاء ثامن عشر صفر جمع الأمير الكبير برسباي الدقماقي الصيارف بالإصطبل السلطاني للنظر في الدراهم المؤيدية فإنه كثر هرش الدراهم منها ومعنى الهرش أن يبرد من الدرهم الذي زنته نصف حتى يخص ويصير وزنه ربع درهم فأضر ذلك بحال الناس فأمر الأمير الكبير بإبطال المعاملة بالعدد واستقرت المعاملة بها وزنًا لا عددًا ورسم بأن يكون وزن الدرهم منها بعشرين درهمًا فلوسًا وأن يكون الدينار الإفرنتي بمائتين وعشرين درهمًا فلوسًا وبأحد عشر درهمًا من الفضة الموازنة فشق ذلك على الناس كونهم كانوا يتعاملون بالفضة معاددة فصارت الآن بالميزان واحتاج كل بائع أن يأخذ عنده ميزانًا‏.‏

وتشكوا من ذلك فلم يلتفت الأمير برسباي إلى كلامهم وهددهم فمشى الحال‏.‏

وفي هذا الشهر ابتدأت الوحشة بين الأمير برسباي الدقماقي نظام الملك وبين الأمير الكبير طرباي أتابك العساكر وتنكر الحال بينهما في الباطن‏.‏

وسببه أن الأمير طرباي شق عليه استبداد الأمير برسباي الدقماقي بأمور المملكة وحده وتردد الناس إلى بابه وخاف إن دام ذلك ربما يصير من أمر برسباي ما أشاعه الناس‏.‏

وكان طرباي يقول في نفسه‏:‏ إنه هو الذي مهد الديار المصرية ودبر على قبض جاني بك الصوفي حتى كان من أمره ما كان ولولاه لم يقدر برسباي على جاني بك الصوفي ولا غيره‏.‏

وكان الاتفاق بينهما أن يكون أمر المملكة بينهما نصفين بالسوية لا يختص أحدهما عن الآخر بأمر من الأمور‏.‏

وكان الأمير طرباي في الأصل من يوم مات الملك الظاهر ططر متميزًا على برسباي ويرى أنه هو الأكبر والأعظم في النفوس وأنه هو الذي أقام برسباي في هذه المنزلة من كونه استمال المماليك السلطانية إليه ونفرهم عن الأمير الكبير جاني بك الصوفي حتى تم له ذلك وأنه هو الذي خدع جاني بك الصوفي حتى أنزله من باب السلسلة وقام مع الأمير برسباي إلى أن رضيه الناس بأن يكون مدبر المملكة كل ذلك ليكون برسباي تحت أوامره ولا يفعل شيئًا إلا بمشاورته‏.‏

فلما رأى طرباي أن الأمر بخلاف ما أمله ندم على ما كان من أمره في حق جاني بك الصوفي حيث لا ينفعه الندم وتكلم مع حواشيه فيما يفعله مع الأمير برسباي وكان له شوكة كبيرة من خشداشيته المماليك الظاهرية برقوق وغيرهم فأشاروا عليه أن ينقطع عن طلوع الخدمة أيامًا لينظروا فيما يفعلونه‏.‏

وكان طرباي مطاعًا في خشداشيته ولهم فيه محبة زائدة وتعصب عظيم له على برسباي فاغتر طرباي بكلامهم وعدى بمماليكه إلى بر الجيزة حيث هو مربط خيوله على الربيع كالمتنزه وأقام به بقية صفر‏.‏

وأما الأمير برسباي لما علم أن الأمير طرباي توغر خاطره منه وعلم أنه لا يتم له أمر مع وجوده أخذ يدبرعليه فيما يفعله معه حتى يمكنه القبض عليه ثم يفعل ما بدا له‏.‏

هذا وقد انضم عليه جماعة كبيرة من أمراء الألوف أعظمهم الأمير سودون من عبد الرحمن الدوادار الكبير والأمير قصروه من تمراز رأس نوبة النوب والأمير يشبك الساقي الأعرج وكان أعظمهم دهاء ومعرفة وله دربة بالأمور والأمير تغري بردي المحمودي الناصري وغيرهم‏.‏

وباقي الأمراء هم أيضًا في خدمة الأمير برسباي في الظاهر غير أنهم في الباطن جميعهم مع طرباي ولكنهم حيثما ما أمكنهم الكلام مع برسباي أو طرباي قالوا له‏:‏ أنت خشداشنا وأغاتنا لأن كليهما من مماليك برقوق‏.‏

بهذا المقتضى صار الأمير برسباي لايعرف من هو معه من خشداشيته الظاهرية ولا من هو عليه غير من ذكرنا من الأمراء فإنهم باينوا طرباي وانضموا على برسباي ظاهرًا وباطنًا‏.‏

فلما علم برسباي أن هؤلاء الأمراء معه حقيقة قوي قلبه بهم وألقى مقاليد أمر طرباي في رقبة الأمير يشبك الساقي الأعرج أن ينزل إليه ويعمل جهده في طلوعه إلى الخدمة السلطانية‏.‏

ثم سلط أيضًا جماعة أخر على الأمير طرباي يحسنون له الحضور من الربيع‏.‏

هذا مع ما يقوي جأشه الأمير تغري بردي يجبن عن ذلك حتى استهل شهر ربيع الأول‏.‏

فلما كان يوم الثلاثاء ثانيه قدم الأمير الكبير طرباي من الربيع ونزل بداره تجاه باب السلسلة‏.‏

وتردد إليه الأمير يشبك الساقي الأعرج وحسن له الطلوع بأن قال له‏:‏ إن كل خشداشيته من الظاهرية برقوق معه وأنهم لا يؤثرون عليه أحدًا وأنه بطلوعه يستفحل أمره وبعدم طلوعه ربما يجبن ويضمحل أمره فإن الناس مع القائم أو إذا حضرت أنت تلاشى أمر برسباي وهون كليه أمر برسباي‏.‏

ولا زال به حتى انخدع له وأذعن بالطلوع‏.‏

فلما أصبح يوم الأربعاء ثالثه أمسك الأمير برسباي الأمير سودون الحموي أحد أمراء الطلبخانات والأمير قانصوه النوروزي أحد أمراء الطبلخانات أيضًا وكانا من جملة أصحاب طرباي فعظم ذلك على طرباي وقامت قيامة أصحابه وحذروه عن الطلوع في غده فإنه كان قرر مع الأمير يشبك الأعرج الطلوع إلى الخدمة في يوم الخميس رابعه‏.‏

فلما وقع مسك هؤلاء نهاه أصحابه عن الطلوع فأبى إلا الطلوع ليتكلم مع الأمير برسباي بسبب مسكه لهؤلاء ويطلقهما منه‏.‏

فألحوا عليه في عدم الطلوع وأكثروا من ذلك وهو لا يصغي إلى قولهم وفي ظنه أن الأمير برسباي لاينهض بأمر يفعله في حقه وأيضًا لا يقابله بسوء لماله عليه من الأيادي قديمًا وحديثًا‏.‏

فلما أصبح نهار الخميس رابع شهر ربيع الأول ركب الأمير الكبير طرباي من داره ومعه جماعة كبيرة من حواشيه وطلع إلى القلعة وكان لقلة سعده غالب من هو معه من خشداشيته رؤوس نوب ليس في أوساطهم سيوف‏.‏

فما هو إلا أن دخل إلى الخدمة واستقر به الجلوس في منزلته وقرىء الجيش على السلطان وانتهت العلامة وأحضر السماط وقام الجميع على أقدامهم ابتدأ الأمير الكبير برسباي الدقماقي نظام الملك بأن قال‏:‏ الحال ضائع والكلمة متفرقة وأحوال الناس متوقفة لعدم اجتماع الناس على كبير يرجع إليه فيما يرسم به ولا بد للناس من كبير يرجع إليه في أمور الرعية فأجابه في الحال قبل أن يتكلم طرباي الأمير قصروه رأس نوبة النوب وقال‏:‏ أنت كبيرنا ومع وجودك من يكون خلافك افعل ما شئت‏.‏

فقال الأمير برسباي عند ذلك‏:‏ اقبضوا على هذا وعنى الأمير الكبير طرباي‏.‏

فلما سمع طرباي ذلك جذب سيفه ليدفع عن نفسه وأراد القيام فسبقه الأمير برسباي نظام الملك وضربه بالسيف ضربة جاءت في يده كادت تبينها وهي على ظاهر كله حيث كان قابضًا بها على سيفه ثم بادره الأمير قصروه وأعاقه عن تمام القيام وتقدم إليه الأمير تغري بردي المحمودي وقبض عليه من خلفه كالمعانق له وحمل من وقته إلى أعلى القصر وقيد في الحال وقد تضمخ بدمه‏.‏

ووقعت الهجة بالقصر وتسللت السيوف من حواشي طرباي بعد أن فات الأمر وقد خطف الأمير برسباي الترس الفولاذ من يد السلطان الملك الصالح محمد وتترس به وأعطى ظهره إلى الشباك وسيفه مسلول بيده فلم يجسر أحد على التقدم إليه لكثرة حاشيته ولقوة شوكته‏.‏

ثم سكتت الهجة في الحال ورد كل واحد من أصحاب طرباي سيفه إلى غمده عندما رأوا أن الأمر فاتهم وقالوا‏:‏ نحن من أصحاب برسباي فعرف برسباي الجميع ولم يؤاخذ أحدًا منهم بعد ذلك‏.‏

وتكسر بعض صيني مما كان فيه الطعام للسماط السلطاني لضيق المكان فإن الحركة المذكورة كانت بالقصر الصغير الوسطاني حيث فيه الشرابخاناه‏.‏

وطلب الأمير برسباي في الحال المزين وأرسله إلى طرباي فخاط جراحه بعدما قيده ثم أصبح من الغد حمله إلى الاسكندرية فسجن بها إلى أن أطلقه في أيام سلطنته حسبما نذكره في محله في ترجمة الملك الأشرف برسباي إن شاء الله تعالى‏.‏

وخلا الجو للأمير برسباي بمسك الأمير طرباي هذا‏.‏

قلت‏:‏ وكان في أمر الأمير طرباي هذا عبرة لمن اعتبر وهو أن طرباي لازال بجاني بك الصوفي حتى خدعه وغدر به عندما أنزله من الحراقة بباب السلسلة وتحيل عليه حتى قبضه وحملة مقيدًا إلى سجن الإسكندرية وسجن بها وقد ظن أن الأمر صفا له وأنه لا يعدل عنه إلى غيره لاستخفافه بالأمير برسباي فأتاه الله من حيث لم يحتسب وعمل عليه الأمير برسباي حتى خدعه وأطلعه إلى القلعة وصار في يده بعدما امتنع ببر الجيزة أيامًا والناس تترقب حركته ليكونوا في خدمته وفي قتال عدوه إلى أن عدى من بر الجيزة ومشى لحتفه بقدميه فكان حاله في ذلك كقول الإمام أبي الفتح البستي حيث قال رحمه الله تعالى‏:‏ أرى قدمي أراق دمي‏.‏

وإن كان طرباي لم يهلك في هذه الموتة المكتوبة فقد مات معنى وحمل إلى الإسكندرية فأدخل به عند أخصامه الأمير الكبير جاني بك الصوفي وغيره‏.‏

قلت‏:‏ لتجزى كل نفس بما كسبت‏.‏

ولما تم أمر الأمير برسباي فيما أراد من القبض على الأمير طرباي والاستبداد بالأمر أخرج الأمير سودون الحموي منفيًا إلى ثغر دمياط‏.‏

ثم أخذ في إبرام أمره ليترقى إلى أعلى المراتب فلم يلق في طريقه من يمنعه من ذلك وساعده في ذلك موت الأمير حسن بن سودون الفقيه خال الملك الصالح محمد هذا في يوم الجمعة ثالث عشر صفر فإنه كان أحد مقدمي الألوف وخال السلطان الملك الصالح وسكناه بقلعة الجبل وكان جميع حواشي الملك الظاهر ططر يميلون إليه فكفي الأمير برسباي همه أيضًا بموته‏.‏

فلما رأى برسباي أنه ما ثم عنده مانع يمنعه من بلوغ غرضه بالديار المصرية خشي عاقبة الأمير تنبك ميق نائب الشام وقال‏:‏ إلا بد من حضوره ومشورته فيما نريد نفعله فندب لإحضاره الأمير ناصر الدين محمدًا ابن الأمير إبراهيم ابن الأمير منجك اليوسفي فحضر وخرج المذكور مسرعًا من الديار المصرية إلى دمشق لإحضار الأمير تنبك المذكور‏.‏

وأخذ الأمير برسباي فيما هو فيه من عمل مصالح الناس وتنفيذ الأمور فرسم بإحضار الأمير أيتمش الخضري من القدس‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثاني عشرين شهر ربيع الأول أمسك الأمير الطواشي مرجان الهندي الزمام المعروف بالخازندار وسلمه للأمير أرغون شاه النوروزي الأعور الأستادار ليصادره ويستخلص منه الأموال‏.‏

وطلب الأمير الطواشي كافور الرومي الصرغتمشي وخلع عليه باستقراره زمامًا على عادته أولًا‏.‏

ثم قدم أيتمش الخضري إلى القاهرة فرسم له الأمير برسباي بلزوم داره بطالًا‏.‏

واستمر مرجان عند الأمير أرغون شاه المذكور إلى أن قرر عليه حمل عشرين ألف دينار فحملها وضمنه جماعة أخر في حمل عشرة آلاف دينار أخرى وأطلق في يوم الأربعاء ثامن عشر شهر ربيع الآخر‏.‏

ثم في سادس عشر شهر ربيع الآخر المذكور قدم الأمير تنبك ميق نائب الشام إلى الديار المصرية بعد أن تلقاه جميع أعيان الدولة وطلع إلى القلعة فخرج الأمير الكبير برسباي لتلقيه خارج باب القصر السلطاني ونثر على رأسه خفايف الذهب والفضة وعاد معه إلى داخل القصر بعد أن اعتذر له عن عدم نزوله إلى تلقيه مخافة من المماليك الأجلاب فقبل الأمير تنبك عذره‏.‏

ثم قدمت خلعة جليلة فلبسها الأمير تنبك نائب الشام المذكور وهي خلعة الاستمرار له على نيابة دمشق على عادته‏.‏

ثم خلا به الأمير برسباي وتكلم معه واستشاره فيمن يكون سلطانا لأن الديار المصرية لا بد لها من سلطان تجتمع الناس على طاعته ثم قال له‏:‏ وإن كان ولا بد فيكون أنت فإنك أغاتنا وكبيرنا وأقدمنا هجرة فاستعاذ الأمير تنبك من ذلك وقام في الحال وقبل الأرض بين يديه وقال‏:‏ ليس لها غيرك فشكر له الأمير برسباي على ذلك‏.‏

ثم اتفق جميع الأمراء على سلطنته وخلع الملك الصالح محمد من السلطنة فوقع ذلك في يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الآخر من سنة خمس وعشرين وثمانمائة حسبما يأتي ذكره في أول ترجمة الملك الأشرف برسباي‏.‏

قلت‏:‏ وكما تدين تدان جوزي الملك الظاهر ططر في ولده كما فعل هو بابن الملك المؤيد شيخ الملك المظفر أحمد غير أن الأمير ططر كانت له مندوحة بصغر ابن الملك المؤيد شيخ من أنه كان بقي لبلوغه الحلم سنين طويلة وأما الملك الصالح هذا فكان مراهقًا غير أنهم احتجوا أيضًا بأنه كان في عقله شيء شبه الخلل‏.‏

قلت‏:‏ وإن توقف الأمر على أن كل واحد من هؤلاء يخلع بأمر من الأمور ويكون ذلك حجة لمن خلعه فيلزم الخالع من ذلك أمور كثيرة لا يطيق التخلص منها أبدًا ليس لإبدائها هنا محل‏.‏

وقد دار هذا الدور على أناس أخر بعدهما والكأس ممزوج لمن يشربه من يد ساقيه كما جرت به العادة والعادة لها حكم وهي تثبت عند الشافعية بمرة واحدة‏.‏

انتهى‏.‏

ولما

 خلع الملك الصالح من السلطنة

أدخل إلى أمه خوند بنت سودون الفقيه ببعض الدور السلطانية ودام بها سنين عديدة من غير ترسيم ولا حرج حتى إنه بعد سنين صار يركب وينزل صحبة الناصري محمد ابن السلطان الملك الأشرف برسباي إلى القاهرة من غير أن يحتفظ به أحد وحضر معه مرة مأتم والدته خوند زوجة الملك الأشرف بالمدرسة الأشرفية بخط العنبريين وجلسا في الملأ بصدر المدرسة فتعجب الناس من ذلك غاية العجب كون الملك الصالح المذكور كان سلطانًا ثم خلع من الملك وبعد مدة يسيرة صار يركب وينزل إلى القاهرة‏.‏

ودام الملك الصالح محمد بقلعة الجبل سنين حتى بلغ الحلم وزوجه الملك الأشرف برسباي بابنة الأتابك يشبك الساقي الأعرج ودامت معه حتى مات عنها في الطاعون بقلعة الجبل في ليلة الخميس ثان عشرين جمادى الآخرة من سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة وهو في حدود العشرين سنة من العمر تخمينًا‏.‏

وكان أهوج وعنده بعض بله وسذاجة مع خفة وسرعة حركة وسلامة باطن وعدم تجمل في ملبسه‏.‏

ولم يكن عنده شيء من الكبر والترفع ولم يتأسف س الملك أبدًا‏.‏

وكان غالب حواشي الملك الأشرف برسباي يسمونه في وجهه سيدي محمد ويصيحون له بذلك‏.‏

ومما ينسب إليه من السذاجة أنه ركب مرة فرسًا ثم طلبه ثانيًا فقال‏:‏ هاتوا فرسي الأبيض فنهره بعض حواشيه وقال له‏:‏ لم لا تقول فرسي البوز ثم أتي بعد ذلك بمشروب من السكر فقال‏:‏ ما أشرب إلا في سلطانيتي البوز فنهره ذلك الرجل بعينه وقال له‏:‏ لم لا تقول سلطانيتي البيضاء فقال‏:‏ والله تحيرت بينكم تارة تقولون لا تقل أبيض وقل بوز وتارة تقولون بالعكس كيف يكون عملي معكم‏.‏

وله أشياء من ذلك كثيرة على أنه كان يحفظ القرآن ويعرف بلسان الجاركسي ولبلوهيته حلاوة وطلاوة مع خفة روح انتهى والله تعالى أعلم‏.‏

السنة التي حكم فيها أربعة سلاطين وهي سنة أربع وعشرين وثمانمائة‏.‏

حكم في أولها إلى يوم الاثنين ثامن المحرم الملك المؤيد شيخ ثم ابنه الملك المظفر أحمد إلى تاسع عشرين شعبان ثم الملك الظاهر ططر إلى رابع ذي الحجة ثم ابنه الملك الصالح محمد إلى آخرها وإلى شهر ربيع الآخر من سنة خمس وعشرين وثمانمائة‏.‏

وفيها أعني سنة أربع وعشرين وثمانمائة توفي الأمير زين الدين فرج ابن الأمير سكزباي الظاهري أحد أمراء العشرات وخواص الملك المؤيد شيخ في رابع صفر بعد مرض طويل‏.‏

وكان شابًا مليح الشكل بهي المنظر متجملًا في ملبسه ومركبه ولم يبلغ من العمر خمسًا وعشرين سنة فيما أظن‏.‏

وكان الملك المؤيد شيخ رباه واختص به فلما تسلطن رقاه وأمره‏.‏

وتوفي القاضي بهاء الدين محمد بن بدر الدين حسن بن عبد الله المعروف بالبرجي في يوم الخميس عاشر صفر عن ثلاث وسبعين سنة بعد أن ولي حسبة القاهرة غير مرة ووكالة بيت المال ونظر الكسوة وباشر عمارة الجامع المؤيدي‏.‏

وكان من أصحاب الملك الظاهر ططر‏.‏

وتوفي علم الدين سليمان بن جنيبة رئيس الأطباء في سادس عشرين صفر وقد أناف على ثمانين سنة‏.‏

وكان أبوه يهوديًا ثم أسلم ونشأ سليمان هذا مسلمًا‏.‏

وفيها قتل الأمير يشبك بن عبد الله اليوسفي المؤيدي نائب حلب في واقعة كانت بينه وبين الأمير ألطنبغا القرمشي الأتابك بظاهر حلب في يوم الثلاثاء ثالث عشرين المحرم‏.‏

قال المقريزي‏:‏ وكان غير مشكور السيرة ظالمًا عسوفًا مع كبر وجبروت فأراح الله منه‏.‏

وفيها قتل الأمير الكبير سيف الدين ألطنبغا بن عبد الله القرمشي الظاهري أتابك العساكر بالديار المصرية في خامس عشرين جمادى الأولى بقلعة دمشق بسيف الأمير ططر حسبما تقدم ذكر القبض عليه‏.‏

وكان القرمشي من محاسن الدنيا لما اشتمل عليه من السؤدد‏.‏

وكان أصله من مماليك الظاهر برقوق وترقى في الدولة الناصرية أفرج إلى أن صار من جملة أمراء البلاد الشامية ثم انضم على الأمير شيخ ولم يبرح عنه في السراء والضراء إلى أن ملك الديار المصرية فولاه نيابة صفد ثم الأمير آخورية الكبرى ثم نقله إلى الأتابكية بديار مصر بعد انتقال ألطنبغا العثماني إلى نيابة دمشق بعد خروج قاني باي المحمدي عن الطاعة فدام على ذلك إلى أن جرده الملك المؤيد شيخ إلى البلاد الشامية وصحبته جماعة من مقدمي الألوف تقدم ذكرهم في عدة مواضع من ترجمة الملك المظفر أحمد والملك الظاهر ططر‏.‏

ولما أشرف الملك المؤيد شيخ على الموت عهد لولده أحمد بالملك وجعل القرمشي هذا أتابكه لثقته به من أنه يفعل مع ولده كما كان فعل الأتابك يلبغا العمري مع أولاد السلاطين ولم يتسلطن أبدًا فإنه كا من جنس يلبغا أعني أنه كان تركي الجنس فوثب الأمير ططر على الأمر حسبما حكيناه وخرج بالملك المظفر أحمد إلى دمشق فأطاعه القرمشي المذكور وقد قنع بأن يكون في نيابة دمشق فلم يكذب ططر الخبر وقبض عليه من وقته وحبسه بقلعة دمشق ثم قتله‏.‏

قلت‏:‏ أما القبض عليه فيمكن ططر الاعتذار عنه وأما قتله فلا أقبل له في عذرًا فإنه كان يمكنه حبسه إلى الأبد كما فعل ذلك بعدة من الملوك فإنه كان عاقلًا ساكنًا عديم الشر لين الجانب متواضعًا كريمًا حشيمًا ولم يكن فيه ما يعاب غير أنه كان من غير جنس القوم لا غير‏.‏